فصل: سنة تسع وعشرين ومائة وألف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (نسخة منقحة)



.تولية والي باشا على مصر:

ثم تولى على مصر والي باشا فوصل إلى مصر وطلع إلى القلعة في أواخر رجب سنة ثلاث وعشرين ومائة وألف.
وفي شوال قلدوا أحمد بك الأعسر تابع إبراهيم بك صنجقية وزادوه كشوفية البحيرة، وكان قانصوه بك قائمقام قبل وصول الباشا رسم بإخراج تجريدة إلى هوارة المفسدين الذين أتوا إلى مصر صحبة محمد بك الصعيدي ورجعوا صحبته، وأخربوا أخميم وقتلوا الكشاف وأمير التجريدة محمد بك قطامش وصحبته ألف عسكري، وأعطوا كل عسكري ثلاثة آلاف نصف فضة من مال البهار سنة تاريخه، وأن يكون محمد بك حاكم جرجا عن سنة ثلاثة وعشرين وأربعة وعشرين، وقضى أشغاله وبرز خيامه إلى الآثار ثم طلب الوجه البلي إلى أن وصل إلى اسيوط، فقبض على كل من وجده من طرف محمد بك الصعيدي وقتله، ومنهم حسين أوده باشا ابن دقماق، ثم انتقل إلى منفلوط وهربت طوائف الهوارة بأهلها إلى الجبل الغربي واتت إليه هوارة بحري صحبة الأمير حسن، فأخبروه بما وقع لهم وساروا صحبته إلى جرجا فنزل بالصيوان وأبرز فرمانا قرئ بحضرة الجميع باهراق دم هوارة قبلي، وأمر بالركوب عليهم إلى أسنا وتسلط عليهم هوارة تجري ونهبوا مواشيهم وأغنامهم ومتاعهم وطواحينهم، واشتفوا منهم وكل من وجدوه منهم قتلوه ولم يزل في سيره حتى وصل قنا وقوص، وثم رجع إلى جرجا ثم أن هوارة قبلي التجئوا إلى إبراهيم بك أبو شنب والتمسوا منه أن يأخذ لهم مكتوبا من قيطاس بك بالأمان، ومكتوباً إلى حاكم الصعيد كذلك، وفرمانا من الباشا بموجب ذلك، فأرسل إلى قيطاس بك تذكرة صحبة احمد بك الأعسر يترجى عنده، فأجاب إلى ذلك وأرسلوا به محمد كاشف كتخدا، وبرجوع التجريدة والعفو عن الهوارة. ورجع محمد كاشف والتجريدة وصحبته التقادم والهدايا، وأرسلوا إلى إبراهيم بك مركب غلال وخيول مثمنة وأغناماً.
وفي أواخر شوال ورد آغا من الدولة وعلى يده مرسومات، منها محاسبة خليل باشا واستعجال الخزينة وبيع بلاد من قتل في أيام الفتنة وكذلك أملاكهم.
وفي شهر رمضان قبل ذلك جلس بجامع المؤيد، فكثر عليه الجمع وأزدحم المسجد وأكثرهم أتراك، ثم أنتقل من الوعظ وذكر ما يفعله أهل مصر بضرايح الأولياء وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء وتقبيل أعتابهم، وفعل ذلك كفر يجب على الناس تركه، وعلى ولاة الأمور السعي في أبطال ذلك. وذكر أيضاً قول الشعراني في طبقاته أن بعض الأولياء أطلع على اللوح المحفوظ أنه لا يجوز ذلك ولا تطلع الأنبياء فضلاً عن الأولياء على اللوح المحفوظ، وأنه لا يجوز ذلك ولا تطلع الأنبياء فضلاً عن والتكايا، ويجب هدم ذلك. وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويلة في ليالي رمضان. فلما سمع حزبه ذلك خرجوا بعد صلاة التروايح ووقفوا بالنبابيت والأسلحة، فهرب الذين يقفون بالباب، فقطعوا الجوخ والاكر المعلقة وهم يقولون: أين الأولياء. فذهب بعض الناس إلى العلماء بالأزهر وأخبروهم بقول ذلك الواعظ وكتبوا فتوى وأجاب عليها الشيخ أحمد النفراوي والشيخ أحمد الخليفي بأن كرامات الأولياء لا تنقطع بالموت، وأن إنكاره على اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ لا يجوز، ويجب على الحاكم زجره عن ذلك. وأخذ بعض الناس تلك الفتوى ودفعها للواعظ وهو في مجلس وعظه، فلما قرأها غضب وقال: يا أيها الناس أن علماء بلدكم أفتوا بخلاف ما ذكرت لكم، وأني أريد أن أتكلم معهم وأباحثهم في مجلس قاضي العسكر، فهل منكم من يساعدني على ذلك وينصر الحق؟. فقال له الجماعة: نحن معك لا نفارقك. فنزل عن الكرسي وأجتمع عليه من العامة زيادة عن ألف نفس ومر بهم من وسط القاهرة إلى أن دخل بيت القاضي قريب العصر، فانزعج القاضي وسألهم عن مرادهم فقدموا له الفتوى وطلب منه إحضار المفتيين والتحدث معهما. فقال القاضي: اصرفوا هؤلاء الجموع ثم نحضرهم ونسمع دعواكم. فقالوا: ما بقول في هذه الفتوى؟ قال: باطلة. فطلبوا منه أن يكتب لهم حجة ببطلانها. فقال: إن الوقت قد ضاق والشهود ذهبوا إلى منازلهم وخرج الترجمان. فقال لهم ذلك فضربوه واختفى القاضي بحريمه. فما وسع النائب إلا أنه كتب لهم حجة حسب مرادهم، ثم اجتمع الناس في يوم الثلاثاء عشرينه وقت الظهر بالمؤيد لسماع الوعظ على عادتهم، فلم يحضر لهم الواعظ فأخذوا يسألون عن المانع من حضوره. فقال بعضهم: أظن أن القاضي منعه من الوعظ. فقام رجل منهم وقال: أيها الناس من أراد أن ينصر الحق فليقم معي. فتبعه الجم الغفير، فمضى بهم إلى مجلس القاضي، فلما رآهم القاضي ومن في المحكمة طارت عقولهم من الخوف، وفر من بها من الشهود، ولم يبق إلا القاضي فدخلوا عليه وقالوا له: أين شيخنا؟ فقال: لا أدري. فقالوا له: قم واركب معنا إلى الديوان ونكلم الباشا في هذا الأمر ونسأله أن يحضر لنا أخصامنا الذي أفتوا بقتل شيخنا، ونتباحث معهم، فإن اثبتوا دعواهم نجوا من أيدينا وإلا قتلناهم، فركب القاضي معهم مكرها وتبعوه من خلفه وأمامه إلى أن طلعوا إلى الديوان، فسأله الباشا عن سبب حضوره في غير وقته. فقال: إنظر إلى هؤلاء الذين ملئوا الديوان والحوش فهم الذين أتوا بي، وعرفه قصتهم وما وقع منهم بالأمس واليوم، وأنهم ضربوا الترجمان وأخذوا مني حجة قهرا، وأتوا اليوم وأركبوني قهراً. فأرسل الباشا إلى كتخدا الينكجرية وكتخدا العزب وقال لهما: اسألوا هؤلاء عن مرادهم. فقالوا: نريد إحضار النفراوي والخليفي ليبحثا مع شيخنا فيما أفتيا به عليه، فأعطاهم الباشا بيورلديا على مرادهم ونزلوا إلى المؤيد وأتوا بالواعظ وأصعدوه إلى الكرسي، فصار يعظهم ويحرضهم على اجتماعهم في غد بالمؤيد، ويذهبون بجمعيتهم إلى القاضي وحضهم على الإنتصار للدين وقمع الدجالين. وافترقوا على ذلك، وأما الباشا أنه لما أعطاهم البيورلدي أرسل بيورلديا إلى إبراهيم بك وقيطاس بك يعرفهم ما حصل وما فعله العامة من سؤ الأدب وقصدهم تحريك الفتن وتحقيرنا نحن والقاضي، وقد عزمت أنا والقاضي على السفر من البلد. فلما قرأ الأمراء ذلك لم يقر لهم قرار وجمعوا الصناجق والآغوات ببيت الدفتردار وأجمعوا رأيهم على أن ينظروا هذه العصبة من أي وجاق ويخرجوا من حقهم وينفي ذلك الواعظ من البلد. وأمروا الآغا أن يركب ومن رآه منهم قبض عليه، وأن يدخل جامع المؤيد ويطرد من يسكنه من السفط. فلما كان صبيحة ذلك اليوم ركب الآغا وأرسل الجاويشية إلى جامع المؤيد فلم يجدوا منهم أحدا، وجعل يفحص ويفتش على أفراد المتعصبين فمن ظفر به أرسله إلى باب آغاته فضربوا بعضهم ونفوا بعضهم وسكنت الفتنة. يفتش على أفراد المتعصبين فمن ظفر به أرسله إلى باب آغاته فضربوا بعضهم ونفوا بعضهم وسكنت الفتنة.

.سنة أربع وعشرين ومائة وألف:

وفي ثالث المحرم سنة أربع وعشرين ومائة وألف، ورد مرسوم سلطاني بطلب ثلاثة آلاف من العساكر المصرية إلى الغزو.
وفي ثامنه تشاجر رجل شريف مع تركي في سوق البندقانيين فضرب التركي الشريف فقتله، ولم يعلم أين ذهب. فوضع الأشراف المقتول في تابوت وطلعوا به إلى الديوان واثبتوا القتل على القاتل. فلما كان يوم عاشرة قامت الأشراف وقفلوا أسواق القاهرة وصاروا يرجمون أصحاب الدكاكين بالحجارة ويأمرونهم بقفل الدكاكين، وكل من لقوه من الرعية أو من أمير يضربونه. ومكثوا على ذلك يومهم وأصبحوا كذلك يوم الجمعة، وأرسلوا خبراً للأشراف القاطنين بقرى مصر ليحضروا واجتمعوا بالمشهد الحسيني ثم خرجوا وأمامهم بيرق وذهبوا إلى منزل قيطاس بك الدفتردار، فخرج عليهم أتباعه بالسلاح فطردوهم وهزموهم، فلما تفاقم أمرهم تحركت عليهم العساكر وركب آغوات الاسباهية الثلاث وآغات الينكجرية في عددهم وعددهم وطافوا البلد. فعند ذلك تفرقت الجمعية ورجع كل إلى مكانه ونادوا بالأمن والأمان، وفتحت الدكاكين ثم أجتمع رأي الأمراء على نفي طائفة من أكابر الأشراف، فتشفع فيهم المشايخ والعلماء فعفوا عنهم.
وفي هذا الشهر وقع ثلج بقريتي سرسنة وعشما من بلاد المنوفية كل قطعة منه مقدار نصف رطل وأقل وأكثر، ثم نزلت صاعقة أحرقت مقداراً عظيماً من زرع الناحية وقتلت أناساً.
وفي يوم الخميس ثامن ربيع الأول سافر مصطفى بك تابع يوسف آغا من بولاق بالعسكر صحبة المعينين للغزو، وحضرت العساكر الذين كانوا في سفر الموسقو صحبة سر دارهم إسمعيل بك، ولما عادوا إلى اسلامبول بالنصر وضعوا لهم على رؤوسهم ريشا في عمائمهم سمة لهم. ومات أميرهم إسمعيل بك باسلامبول ودخلوا مصر وعلى رؤوسهم تلك الريش المسماة بالشلنجات.
وفي ثاني عشرينة قبل الغروب خرجت فرتينة بريح عاصف أظلم منها الجو وسقط منها بعض المنازل.
وفي غرة ربيع الثاني ورد آغا ومعه مرسوم مضمونه حصول الصلح بين السلطنة والموسقو ورجوع العسكر المصري، ولما رجعوا أخذوا منهم ثلثي النفقة وتركوا لهم الثلث، وكذلك التراقي من الجوامك التي تعطى للسردارية وأصحاب الدركات.
وفي ثامن عشره ورد قابجي باشا وعلى يده مرسوم بتقليد قيطاس بك الدفتردار أميراً على الحاج عوضا عن يوسف بك الجزار وأن يكون إبراهيم بك بشناق المعروف بأبي شنب دفتردار. فامتثلوا ذلك ولبسوا الخلع، ومرسوم آخر بإنشاء سفينتين ببحر القلزم لحمل غلال الحرمين، وأن يجهزوا إلى مكة مائة وخمسين كيسا من الأموال السلطانية برسم عمارة العين على يد محمد بك ابن حسين باشا. ثم أن قيطاس بك اجتمع بالأمراء وشكا إليهم احتياجه لدراهم يستعين بها على لوازم الحاج ومهماته، فعرضوا ذلك على الباشا وطلبوا منه أن يمده بخمسين كيسا من مال الخزينة ويعرض في شأنها بعد تسليمها إلى الدولة، وأن لم يمضوا ذلك يحصلوها من الوجاقات بدلا عنها. وفي يوم الأربعاء وصل من طريق الشام باشا معين لمحافظة جدة يسمى خليل باشا، فدخل القاهرة في كبكبة عظيمة وعساكر رومية كثيرة يقال لهم سارجه سليمان وجمال محملة بالأثقال يقدمهم ثلاثة بيارق، وخرج لملاقاته الباشا وقيطاس بك أمير الحاج في طائفة عظيمة من الأمراء والآغوات والصناجق، وقابلوه وأنزلوه بالغيظ المعروف بحسن بك ومدوا هناك سماطاً عظيماً حافلاً وقدموا له خيولا وساروا معه إلى أن دخلوا إلى المدينة في موكب عظيم، إلى أن أنزلوه بمنزل المرحوم إسمعيل بك المتوفى في سفر الموسقو بجوار الحنفي، فلم يزل هناك حتى سافر في أوائل رجب سنة تاريخه وخرج بموكب عظيم أيضاً؟ وفي منتصف شعبان تقلد احمد بك الأعسر على ولاية جرجا عوضاً عن محمد بك الصغير المعروف بقطامش، ثم ورد أمر بتقليد إمارة الحج لمحمد بك قطامش عوضاً عن سيده، وطلع بالحج سنة أربع وعشرين ورجع سنة خمس وعشرين،وذلك من فعل قيطاس بك سراً وتقلد ولاية جرجا مصطفى بك مزلار.
وفي يوم الخميس عشرينه تقلد محمد بك المعروف بجركس تابع إبراهيم بك أبي شنب الصنجقية وكذلك قيطاس تابع قيطاس بك أمير الحج.
وفي عاشر شوال ورد عبد الباقي أفندي وتولى كتخدائية والي باشا ومعه بقرير للباشا على ولاية مصر.
وفي ثالث عشر ذي القعدة ورد أيضاً مرسوم صحبة آغا معين بطلب ثلاثة آلاف من العسكر المصري لسفر الوسقو لنقضهم المهادنة، وقرئ ذلك بالديوان بحضرة الجميع فألبسوا حسين بك المعروف بشلاق سردار عوضاً عن عثمان بك ابن سليمان بك بارم ذيله وقضى أشغاله وسافر في أوائل المحرم.

.سنة خمس وعشرين ومائة وألف:

ورد أيضا آغا باستعجال الخزينة ورجع الحجاج في شهر صفر صحبة محمد بك قطامش، وانتهت رياسة مصر إلى قيطاس بك ومحمد بك وحسن كتخدا النجدلي وكور عبد الله وإبراهيم الصابونجي. فسولت لقيطاس بك نفسه قطع بيت القاسمية وأخذ يدبر في ذلك وأغرى سالم بن حبيب فهجم على خيول إسمعيل بك ابن ايواز بك في الربيع وجم أذناب الخيول ومعارفها ما عدا الخيول الخاص، فإنها كانت بدوار الوسية، وذهب ولم يأخذ منها شيئا وحضر في صبحها أمير أخور فاخبروه وكان عنده يوسف بك الجزار فلاطفه وسكن حدته وأشار عليه بتقليد حسن أبي دفية قائمقام الناحية، ففعل ذلك وجرت له مع ابن حبيب أمور ستذكر في ترجمة ابن حبيب فيما يأتي. ثم أنه كتب عرضحال أيضا على لسان الأمير منصور الخبيري يذكر فيه أن عرب الضعفاء أخربوا الوادي وقطعوا درب الفيوم. وأرسل ذلك العرضحال صحبة قاصد يأمنه فختمه منصور وأرسله إلى الباشا صحبة البكاري خفير القرافة. فلما طلع قيطاس بك في صبحها إلى الباشا وأجتمع باقي الأمراء، وكان قيطاس بك رتب مع الباشا أمراً سراً وأغراه وأطمعه في القاسمية وما يؤول إليه من حلوان بلاد إبراهيم بك ويوسف بك وابن إيواظ بك وأتباعهم، فلما استقر مجلسهم دخل البكاري بالعرضحال فأخذه كاتب الديوان وقرأه على أسماع الحاضرين، فأظهر الباشا الحدة وقال: إنا أذهب لهؤلاء المفاسيد الذين يخربون بلاد السلطان ويقطعون الطريق. فقال إبراهيم بك أقل ما فينا يخرج من حقهم، وانحط الكلام على ذهاب إبراهيم بك وإسمعيل بك ويوسف بك وقيطاس بك وعثمان بك ومحمد بك قطامش. وكان قانصوه بك في بني سويف في الكشوفية وأحمد بك الأعسر في إقليم البحيرة فلما وقع الاتفاق على ذلك خلع عليهم الباشا قفاطين ونزلوا فأرسلوا خيامهم ومطابخهم إلى تحت أم خنان ببر الجيزة وعدوا بعد العصر ونزلوا بخيلهم. واتفق قيطاس بك مع عثمان بك أنهم يعدون خلفهم بعد المغرب ويكونون أكلوا العشاء وعلوا على الخيول، وعندما ينزلون إلى الصيوان يتركون الخيول ملجمة والماليك والطوائل بأسلحتها. فإذا أتى إلينا الثلاثة صناجق نقتلهم ثم نركب على طوائفهم وخيولهم مربوطة فنقتل كل من وقع ونخلص ثار الفقارية الذين قتلهم خال إبراهيم بك في الطرانة. فلما فعلوا ذلك وعدوا وأوقدوا المشاعل وذلك وقت العشاء، ونزلوا بالصيوان، قال إبراهيم بك ليوسف بك وإسمعيل بك: قوموا بنا نذهب عند قيطاس بك. قالا له: أنت فيك الكفاية. فذهب إبراهيم بك وهو ماش ولم يخطر بباله شيء من الخيانة. فلما دخل عندهم وسلم وجلس سأله قيطاس بك عن رفقائه. فقال: إنهم جالسون محلهم فلم يتم ما أرادوه فيهم من الخيانة. فعند ذلك قام محمد بك وعثمان بك إلى خيامهما وقلعا سلاحهما وخلعا لجامات الخيل وعلقا مخالي التبن ورجعا إليهما، فقال قيطاس بك لإبراهيم بك: أركبوا أنتم الثلاثة في غد وانصبوا عند وسيم ونحن نذهب إلى جهة سقارة فنطرد العرب فيأتون إلى جهتكم، فأركبوا عليهم. فأجابه إلى ذلك. ثم قام وذهب إلى رفقائه فأخبرهم بذلك وباتوا إلى الصباح. وفي الصباح حملوا وساروا إلى جهة وسيم كما أشار إليهم قيطاس بك، فنزلت إليهم الزيدية بالفطور فسألوهم عن العرب فقالوا لهم الوادي في أمن وأمان بحمد الله لا عرب ولا حرب ولا شر. وأما قيطاس بك ومن معه فإنه رجع إلى مصر وأرسل إلى ابن حبيب بأن يجمع نصف سعد وعرب بلي ويرسلهم مع أبنه سالم يدهمون الجماعة بناحية وسيم ويقتلونهم، فتلكأ ابن حبيب في جمع العربان لصداقة قديمة بينه وبين إبراهيم بك وحضر لهم رجل من الأجناد كان تخلف عنهم لعذر حصل له، فأخبرهم برجوع قيطاس بك ومن معه إلى مصر فركب إبراهيم بك ويوسف بك وإسمعيل بك ونزلوا بالجيزة عند أبي هريرة وصحبتهم خيالة الزيدية، وباتوا هناك وعدوا في الصباح إلى منازلهم سالمين.
وفي هذه السنة حصل طاعون وكان ابتداؤه في القاهرة في غرة ربيع الأول، وتناقص في أواخر جمادى الآخرة. ووصل عابدين باشا إلى الإسكندرية وتقلد يوسف بك الجزار قائمقام وخلع على ابن سيده إسمعيل بك، ولما حضر الباشا إلى الحلي وطلع إلى العادلية وأحضر الأمراء تقادمهم، وقدم له إسمعيل بك تقدمة عظيمة وأحبه الباشا وأختص به ومال قلبه إلى فرقة القاسمية فقلدهم المناصب والكشوفيات. وحضر مرسوم بإمارة الحج لإسمعيل بك ابن إيواظ بك، وعابدين باشا هذا هو الذي قتل قيطاس بك بقراميدان كما يأتي خبر ذلك في ترجمة قيطاس بك. وهرب محمد بك قطامش تابعه بعد قتل سيده إلى بلاد الروم وأقام هناك مدة ثم عاد إلى مصر، وسيأتي خبر ذلك في ترجمته. وفي ولايته تقلد عبد الله كاشف وصاري علي وعلي الأرمني وإسمعيل كاشف صناجق الأربعة إيواظية، وتقلد منهم أيضا عبد الرحمن آغا ولجه آغات جمليه وإسمعيل آغا كتخدا وإيواظ بك كتخدا الجاويشية ومن أتباع إبراهيم بك أبي شنب قاسم الكبير وإبراهيم فارسكور وقاسم الغير ومحمد جلبي بن إبراهيم بك أبي شنب وجركس محمد الصغير خمستهم صناجق، واستقر الحال وطلع بالحج الأمير إسمعيل بك ابن أيواظ سنة سبع وعشرين وسنة ثمان وعشرين في أمن وأمان وسخاء ورخاء.

.سنة ثمان وعشرين ومائة وألف:

وفي سنة ثمان وعشرين ورد آغا من اسلامبول وعلى يده مرسوم بطلب ثلاثة آلاف من العسكر المصري وعليهم أمير فادر، وكانت النوبة على محمد بك جركس الكبير فلما اجتمعوا بالديوان وقرئ المرسوم، خلع الباشا على محمد بك جركس القفطان ونزل إلى داره فطوى القفطان وأرسله إلى سيده إبراهيم بك، ويقول له: عندك خلافي صناجق كثيرة فأني قشلان. فتكدر خاطره ثم أرسل إليه صحبة أحمد بك الأعسر عشرين كيسا فاستقلها، فأعطاه أيضا وصولا بعشرة أكياس على الطرانه فجهز حاله وركب إلى قصر الحلي بالموكب وأحضر عنده الحريم، فأقام أياماً في حظه وصفائه والآغا المعين يستعجل السفر، وفي كل يوم يأتيه فرمان من الباشا بالاستعجال والذهاب، وهو لا يبالي بذلك. ثم أن الباشا تكلم مع إبراهيم بك في شأن ذلك، فلما نزل إلى بيته أرسل إليه أحمد بك الأعسر وقاسم بك الكبير فأخبراه بتقريظ الباشا والاستعجال، فقال في جوابه: جلوسي هنا أحسن من إقامتي تحت الطرانة حتى يدفعوا لي العشرة أكياس، فلا أرتحل حتى تأتيني العشرة أكياس. ورمى لهم الوصول، فرجع أحمد بك إلى إبراهيم بك وأخبره بمقالته ورد إليه الوصول، فما وسعه إلا أنه دفع ذلك القدر إليه نقداً، وقال: سوف يخرب هذا بيتي بعناده. فلما وصله ذلك نزل إلى المراكب وسافر. ثم ورد مسلم علي باشا وأخبر بولايته مصر.

.سنة تسع وعشرين ومائة وألف:

فاجتمعوا بالديوان وتقلد إبراهيم بك أبو شنب قائمقام، ونزل إلى بيته وخلع على أحمد بك الأعسر، وجعله أمين السماط. ونزل عابدين باشا من القلعة عندما وصل الخبر بوصول علي باشا إلى إسكندرية، وسافرت إليه أرباب الخدم والعكاكيز وسافر عابدين باشا قبل حضور علي باشا بمصر. وحضر علي باشا وطلع إلى القلعة على الرسم المعتاد واستقر في ولاية مصر والأمور صالحة والفتن ساكنة ورياسة مصر للأمير إبراهيم بك أبي شنب الكبير، والأمير إسمعيل بك ابن إيواظ بك ومحمد كتخدا جدك مستحفظان، وإبراهيم جربجي الصابونجي عزبان، وأتباع حسن جاويش القازدغلي وهم عثمان اوده باشا وسليمان أوده باشا تابع مصطفى كتخدا وخلافهم من رؤساء باب العزب وباقي البلكات، ومات الأمير إبراهيم بك الكبير سنة ثلاثين فاستقل بالرياسة إسمعيل بك ابن إيواظ بك وسكن محمد بك ابن إبراهيم بك بمنزل أبيه، وفي نفسه ما فيها من الغيرة والحسد لإسمعيل بك ابن حشداش أبيه.
وفي أواخر سنة تسع وعشرين، ورد قابجي وعلى يده مرسوم بطلب ثلاثة آلاف من عسكر مصر وعليهم أمير لسفر الجهاد، وكان الدور على محمد بك ابن إيواظ أخي إسمعيل بك، فعلم أخوه أنه خفيف العقل فلا يستر نفسه في السفر، فقلد أحمد كاشف صنجقية وجعله أمير العسكر وجعل مملوكه علي الهندي كتخداء إليه وقضوا أشغالهم. وركب الأمير والسدادرة بالموكب ونزلوا إلى بولاق وسافروا بعد ثلاثة أيام، وأدركوا عسكر الأروام وسافروا صحبتهم.